في ظل أزمة الطاقة العالمية الخانقة التي نعيشها في مارس 2026، خرج كيريل دميترييف، رئيس صندوق الاستثمار المباشر الروسي والمبعوث المقرب من الكرملين، بتصريحات نارية تعكس ثقة موسكو في أن "ميزان القوى" قد مال لصالحها مجدداً.
دميترييف لم يكتفِ بالتنبؤ، بل قدم أرقاماً وتحليلات تعكس الواقع المرير الذي تواجهه العواصم الأوروبية حالياً:
1. "الفاتورة الباهظة": 1.3 تريليون يورو
صرح دميترييف بأن أوروبا خسرت بالفعل أكثر من 1.3 تريليون يورو نتيجة تخليها عن واردات الطاقة الروسية الرخيصة والاعتماد على بدائل مكلفة. يرى دميترييف أن "العناد السياسي" الأوروبي وصل إلى طريق مسدود مع انفجار أسعار الغاز بنسبة 40% في الأسبوع الأول من مارس 2026 نتيجة التوترات في الشرق الأوسط وإغلاق ممرات الطاقة الحيوية.
2. لماذا يتوقع "التوسل" الأوروبي؟
يعتقد دميترييف أن أوروبا ستجد نفسها مضطرة لطلب العودة للغاز الروسي للأسباب التالية:
فشل البدائل: تعطل إمدادات الغاز من الخليج بسبب "حرب إيران" (التي اندلعت في فبراير 2026) جعل الغاز المسال الأمريكي والقطري غير كافٍ أو صعب الوصول.
الضغط الصناعي: القطاعات الصناعية الكبرى في ألمانيا وفرنسا بدأت بالانهيار تحت وطأة تكاليف الطاقة، مما يضغط على الحكومات لرفع العقوبات.
الاقتراب من "الموعد النهائي": مع اقتراب موعد حظر الغاز المسال الروسي (المقرر في أبريل 2026)، يرى دميترييف أن أوروبا ستطلب "استثناءات" عاجلة لتجنب شتاء كارثي قادم.
3. دور دميترييف كـ "مهندس تسويات"
لا تنفصل هذه التصريحات عن دور دميترييف الجديد كحلقة وصل بين بوتين وترامب. فبينما يهدد بوتين بقطع الغاز "فوراً"، يطرح دميترييف رؤية اقتصادية مفادها أن "السلام في أوكرانيا" هو المفتاح الوحيد لعودة تدفق الطاقة الروسية لإنقاذ الاقتصاد الأوروبي.
الخلاصة:
رسالة دميترييف واضحة: "لا يوجد بديل حقيقي لروسيا". هو يراهن على أن صرخة الألم الاقتصادي في أوروبا ستكون أعلى من الشعارات السياسية، مما سيجبر القادة الأوروبيين على التفاوض للحصول على النفط والغاز الروسيين بشروط موسكو.
تأتي تحذيرات وكالة الطاقة الدولية (IEA) في مارس 2026 لتضع النقاط على الحروف في ظل التصريحات الروسية الأخيرة، حيث ترى الوكالة أن القارة العجوز تقف أمام "فخ استراتيجي" قد يدمر استقلاليتها الطاقوية لعقود قادمة.
إليك النقاط الجوهرية التي تضمنها تقرير الوكالة الأخير بشأن مخاطر العودة للغاز الروسي:
1. سلاح "الموثوقية" المفقود
تؤكد الوكالة أن الاعتماد على الغاز الروسي مجدداً، حتى لو كان بأسعار مغرية، يمثل مخاطرة أمنية كبرى. فالغاز بالنسبة لموسكو ليس مجرد سلعة تجارية، بل هو "أداة جيوسياسية" استخدمت سابقاً للضغط السياسي، والعودة إليه تعني منح الكرملين القدرة على التحكم في نبض الصناعة الأوروبية مرة أخرى.
2. تقويض مشاريع الطاقة المتجددة
تحذر وكالة الطاقة الدولية من أن تدفق الغاز الروسي الرخيص قد يؤدي إلى:
تراخي الحكومات: التباطؤ في الاستثمار في الهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية والرياح.
إفلاس شركات الطاقة البديلة: التي لن تستطيع منافسة أسعار الغاز الطبيعي الروسي المدعوم سياسياً، مما يجعل أوروبا رهينة لمصدر واحد للأبد.
3. هشاشة البنية التحتية البديلة
تشير الوكالة إلى أن أوروبا استثمرت المليارات في محطات الغاز المسال (LNG) والربط مع النرويج وشمال أفريقيا. العودة للغاز الروسي عبر الأنابيب ستجعل هذه الاستثمارات "أصولاً هالكة" (Stranded Assets)، وهو ما سيكبد الميزانيات الأوروبية خسائر فادحة على المدى الطويل.
سيناريوهات الوكالة لمواجهة "إغراءات" دميترييف:
وضعت الوكالة ثلاثة سيناريوهات للتعامل مع الأزمة الحالية (مارس 2026):
سيناريو الصمود: الاستمرار في سياسة "التنويع القاسي" مهما بلغت التكاليف، مع زيادة الدعم الحكومي للمواطنين لمواجهة غلاء الفواتير.
سيناريو "الاستثناءات المحدودة": السماح بمرور كميات محددة فقط عبر أوكرانيا (التي لا يزال الاتفاق بشأنها هشاً) مقابل تنازلات سياسية واضحة، وهو ما ترفضه واشنطن بشدة.
سيناريو الانهيار: وهو ما يتنبأ به دميترييف، حيث تضطر دول مثل ألمانيا والنمسا لفتح "نورد ستريم" مجدداً (في حال إصلاحه) تحت ضغط الشارع، مما سيؤدي لشرخ كبير في وحدة الاتحاد الأوروبي.
الخلاصة:
رسالة وكالة الطاقة الدولية واضحة: "الثمن الرخيص للغاز الروسي اليوم هو فاتورة باهظة للسيادة الأوروبية غداً". وترى الوكالة أن الحل ليس في العودة للخلف، بل في تسريع التحول نحو "اقتصاد اللا غاز".

تعليقات
إرسال تعليق