قصة إسماعيل زيدان، والد الأسطورة زين الدين زيدان، هي تجسيد للقيم التي صنعت "زيزو" الإنسان قبل اللاعب. رغم أن ابنه أصبح أيقونة عالمية وأحد أعظم من لمس كرة القدم، إلا أن الأب ظل دائماً يمثل الجانب الروحي والقيمي الذي يربط النجم بجذوره الجزائرية العميقة.
إليك أبرز المحطات في علاقة إسماعيل زيدان بابنه، وكيف ألهمت هذه الشخصية "لوكا" والجيل الجديد:
1. الكلمة التي أبكت "زيزو"
في الفيلم الوثائقي الشهير عن حياة زيدان، لم يتمالك النجم دموعه عندما تحدث والده عنه. إسماعيل لم يتحدث عن الألقاب أو "الكرة الذهبية"، بل قال جملة بسيطة وعميقة: "أنا فخور به ليس لأنه بطل عالم، بل لأنه رجل محترم ولم ينسَ أصله". هذه الكلمات هزت مشاعر زيدان، لأن والده كان دائماً يذكره بأن الشهرة زائلة، وأن "الرجل" هو من يحافظ على مبادئه.
2. الهروب من الأضواء ورفض الاستغلال
عُرف عن إسماعيل زيدان زهده الشديد؛ فبالرغم من الثروة الطائلة التي حققها ابنه، رفض دائماً:
تغيير نمط حياته: ظل متمسكاً بالبساطة التي عاشها منذ هجرته من قرية "أقمون" بجاية الجزائرية.
استغلال الاسم: لم يسعَ يوماً للحصول على امتيازات تجارية أو شهرة إعلامية مستغلاً اسم ابنه، وكان نادراً ما يظهر في المقابلات، مفضلاً البقاء "الحارس الأمين" لذاكرة العائلة.
3. إلهام الحفيد "لوكا" في الجزائر
ارتباط العائلة بالجزائر لم يتوقف عند الجيل الأول. زيارات العائلة لقرية الأجداد في منطقة القبائل كانت دروساً عملية للأحفاد (إنزو، لوكا، ثيو، وإلياز).
لوكا زيدان، حارس المرمى، عبّر في أكثر من مناسبة عن فخره بجذوره، متأثراً بحكايات جده إسماعيل عن الكفاح والعمل الشاق في المزارع والسكك الحديدية بفرنسا قبل أن يبتسم لهم القدر.
هذه الروح هي التي جعلت لوكا والده يحافظان على التواضع رغم عيشهم في بيئة النجومية المطلقة بمدريد.
4. "كتاب الأب".. رسالة لكل مغترب
أصدر إسماعيل زيدان كتاباً بعنوان "على درب الحجارة"، حكى فيه رحلته من جبال الجزائر إلى مرسيليا. لم يكن الكتاب عن كرة القدم، بل عن:
الصبر: كيف عمل في البناء ليؤمن لقمة العيش.
الكرامة: كيف ربّى أبناءه على احترام الجميع مهما بلغ شأنهم.
الهوية: كيف ظل وفياً لبلده الأصلي الجزائر مع احترام البلد الذي استضافه (فرنسا).
وراء الكواليس كان هناك بطلًا لا يحب الظهور، هو من صنع الإرث الكروي لعائلة زيدان
من ضمن كافة المشاهد داخل وخارج الملعب في أمم إفريقيا 2025 بالمغرب، كان علينا التوقف عند هذه اللقطة دون غيرها، زين الدين زيدان يظهر في مدرجات ملعب مولاي الحسن لمتابعة مباراة الجزائر والسودان في دور المجموعات.
زيزو "نادر الظهور" منذ رحيله عن ريال مدريد في 2021 كان من المستحيل أن يُفوت الفرصة، لرؤية ابنه لوكا وهو يحرس عرين الجزائر في محفل دولي هام مثل الكان.
ماذا يفعل لوكا في المغرب من الأساس؟ اللاعب اختفى تمامًا وابتعد عن الصورة منذ مغادرته ريال مدريد لعدم نجاحه في إثبات نفسه بسانتياجو برنابيو، وبعدها انتقل إلى إيبار وغرناطة.
السر هنا عند إسماعيل زيدان، والد زيزو والشخص الذي قرر بناء هذا الإرث الكروي، دون أن يظهر في الصورة كثيرًا، وهي الصفة التي ورثها عنه ابنه وقرر التخلي عنها في موقعة الجزائر والسودان.
الرجل الذي صنع واحد من أهم الأساطير في تاريخ اللعبة، هو من أقنع لوكا بتمثيل الجزائر، حتى نرى هذا المشهد الذي يؤكد تمسك هذه العائلة بأصولها رغم الهجرة إلى فرنسا.
بطل عالم مع فرنسا في 1998، حائز على جائزة "ذا بيست" كأفضل لاعب في العالم 3 مرات، وحائز على الكرة الذهبية في 98، مع العديد من الألقاب والبطولات كلاعب ومدرب، كلها إنجازات تجسد قيمة الأسطورة التي نشأت في عائلة زيدان.
ولذلك نؤمن بأن إسماعيل زيدان يستحق تسليط الأضواء عليه "حتى وإن كرهها"، لأنه لعب دورًا هامًا ومؤثرًا في بناء هذا الإرث الكروي لعائلته..
بداية الرحلة .. الهجرة والتمسك بالأصول
ولد إسماعيل زيدان في قريبة آقبو بولاية بجاية في منطقة القبائل، وقرر الهجرة إلى فرنسا في الخمسينيات بحثًا عن عمل، في فترة كان يعاني فيها أبناء بلاده للحصول على ظروف معيشية ملائمة.
مدينة مارسيليا كانت الوجهة، وهي البيئة التي نشأ فيها زيزو الصغير، مما يفسر كل ما أثير حول صعوبة تدريبه لباريس سان جيرمان بسبب العداوة بين الناديين.
الاختيار وقع على هذه المدينة تحديدًا، بسبب طبيعتها العمالية وتوافر الكثير من الوظائف، بالإضافة إلى الأعداد الكبيرة من الجالية الجزائرية، مما قلل بشكل أو بآخر الشعور بالغربة بعيدًا عن مسقط رأس العائلة.
حياة والد زيدان لم تكن سهلة في بدايتها، كان عليه بذل الكثير من الجهد لتهيئة الأسطورة التي خرجت لنا لاحقًا، حيث عمل كحارس ليلي وعامل نظافة، وبدايته كانت متواضعة للغاية، أو كما يقول البعض "بدأ من الصفر".
وحتى الآن، وبعد كل الشهرة التي يتمتع بها ابنه، فهو يفضل الحياة البسيطة وليس مهتمًا بأي شكل من الأشكال بمظاهر الثراء التي يتفاخر بها آباء النجوم الحاليين وعائلاتهم.
صفاته انعكست على زيدان
النجم الفرنسي شخصية استثنائية، ومن الصعب تكرارها كلاعب وعلى الجانب الإنساني، لأنه يتمتع بهدوء غير عادي وكاريزما لم نراها كثيرًا في صناعة يمكنها أن تفقدك أعصابك في أي وقت.
ولكن، لو سمعت عن شخصية إسماعيل زيدان لن تتعجب أبدًا، فهذه الصفات أغلبها موروثة، لأنه كان يتمتع بدرجة عالية من الانضباط والتواضع والاحترام، قليل الكلام لا يتحدث كثيرًا إلا عند الضرورة.
ومن هنا تكونت أسطورة زيدان التي رأيناها، شخص هادىء لا يحب الظهور الإعلامي، يركز على عمله فقط ولا ينجرف إلى أي مهاترات أخرى خارجه، لا يحب الدخول في مناوشات تفقده تركيزه، وهي صفات انبثقت من هيبة والده الذي قرر البقاء بعيدًا عن الأضواء حتى وإن كان ابنه نجمًا لامعًا.
تعلق زيدان بوالده واضح بما لا يدع أي مجال للشك، فمتى آخر مرة رأيت زيزو يبكي لخسارة مباراة أو بطولة كلاعب ومدرب؟ أن يقول له والده أنه يحبه عبر مقطع فيديو كان كافيًا لظهور دموعه النادرة!
زيزو قال عنه:"أبي هو قدوتي الحقيقية، علمني الصمت وكيف أن أكون رجلًا قبل أن ألعب كرة قدم، نظرته كانت كافية لي لتعديل أي سلوك خاطىء".
وفقًا لكتاب السيرة الذاتية لزيدان للمؤلف جان فيليب لوكلير، فإن شخصية والد زيدان كانت العامل المحرك في مسيرته الكروية، كما أنه لم يعامله بطريقة مختلفة عن باقي أفراد العائلة رغم موهبته البارزة، وحتى بعد ظهوره على الساحة كنجم عالمي رفض استغلال اسمه.
موقفه من كرة القدم
"لو لم أكن ابن اسماعيل زيدان .. لما كنت زين الدين زيدان الذي تعرفونه" .. تلك كلمات قوية تعكس مدى تأثير إسماعيل على ابنه، رغم أنه لم يكن متحمسًا في البداية إلى دخول زيزو إلى عالم اللعبة حيث رآها غير مضمونة وقد تضيع مستقبله.
ولكن طبيعته الصارمة لم تجعله يحرم ابنه من الحصول على الفرصة، بشرط ألا يقوم بالتقصير في باقي شؤون حياته، وكان داعمًا له في مختلف القرارات المصيرة التي اتخذها طوال مشواره الكروي.
زيدان الأب كانت له رسالة واضحة لابنه .. الأخلاق قبل كرة القدم وأي شيء، وكانت هذه الجملة التي سمعها نجم ريال مدريد وفرنسا السابق، وطبقها في كل تعاملاته بمختلف المستويات، حيث لم يتورط في العديد من المواقف المثيرة للجدل باستثناء واقعة تعرضه للاستفزاز من المدافع الإيطالي ماركو ماتيرازي في نهائي كأس العالم 2006.
وفقًا لتصريحات مدافع إنتر السابق، فقد عرض زيدان عليه أن يحصل عليه كقميصه كتذكار، ليرد ماتيرازي "لا، أنا أفضل شقيقتك".
زيدان رفض الاعتذار لماتيرازي على هذا المشهد، قائلًا في تصريحات لصحيفة "إل باييس" إنه لا يتصالح مع الإهانات، وتقبله الأمر يعني أن ما فعله الإيطالي كان عاديًا، مشيرًا إلى أن الاعتذار يعني عدم احترامه لنفسه وعائلته.
الأمر يبدو وكأن هذا النهائي جسد شخصية زيدان بكل تناقضاتها، ركلة الجزاء التي سددها في شباك جانلويجي بوفون بكل هدوء وسط دهشة الجميع من برود أعصابه، ورد فعله عند تعرض أحد أفراد بيته للإهانة لأنه نشأ في بيئة تعزز ثقافة الكرامة والاعتزاز بالأصول والتراث.
لوكا زيدان .. الجزائر في القلب دائمًا
انتشرت بعض التكهنات حول أن والد زيدان تحدث معه بخصوص إمكانية تمثيله الجزائر في بداية رحلته الكروية، وذلك بسبب اعتزاز إسماعيل الكبير ببلاده التي هاجر منها في الصغر.
زيزو نفى الأمر في تصريحات سابقة لصحيفة "ليكيب":"أنا فرنسي ألعب لمنتخب فرنسا، وجزائري بالدم والقلب، والدي لم يتدخل أبدًا وكان داعمًا للقرار الذي أراه مناسبًا لي".
ولكن بعد مرور كل هذه السنوات، وظهور إمكانية تمثيل ابنه لوكا لمنتخب الجزائر، قرر إسماعيل التدخل بدافع أن تجمع عائلته بين الانتماء لفرنسا والموطن الأصلي.
لوكا قال في تصريحات لشبكة "بي إن سبورتس":"أتذكر جدي دائمًا عندما أفكر في الجزائر، ثقافة البلاد ممتدة في عائلتنا منذ الصغر، تحدثت معه قبل اتخاذ هذا القرار وشعر بسعادة كبيرة".
وأضاف:"رد فعل عائلتي ساعدني كثيرًا في بداية رحلتي مع الجزائر، كان يتصل بي في كل مرة يتم استدعائي بها، ويخبرني بشعوره الكبير بالفخر تجاه قراري".
حارس غرناطة صاحب ال27 سنة، هو من حقق حلم جده، ثيو "23 سنة" لديه فرصة للسير على خطاه إن أتيحت الفرصة، ونفس الأمر لإلياس "19 سنة ويلعب لبيتيس ديبورتيفو"، بينما انتهت فرص إنزو زيدان الذي اعتزل مبكرًا رغم أنه يبلغ 30 عامًا الآن.
وعلى كل حال، لا شك أن إسماعيل زيدان يشعر بكل الفخر الآن، لديه ابن يعتبر من أهم أساطير كرة القدم مع فرنسا، وحفيد يحمل إرث العائلة ساعيًا نحو المجد بقميص المنتخب الجزائري.
تعليقات
إرسال تعليق