كشفت تقارير صحفية الأربعاء تلقي أوكرانيا مقترح سلام جديد من الولايات المتحدة، يلزم كييف بالتنازل عن أراضٍ تسيطر عليها روسيا، وتقليص حجم جيشها إلى أكثر من النصف. يأتي ذلك بينما يجد الرئيس فولوديمير زيلينسكي نفسه في موقف متزايد الصعوبة عسكريا وسياسيا، فقد حققت مؤخرا القوات الروسية تقدما في مدينة بوكروفسك الاستراتيجية، وتواصل التقدم في مناطق أخرى على الجبهة، فيما تستمر تداعيات فضيحة الفساد التي طالت قطاع الطاقة، لتصبح أكبر أزمة سياسية داخلية منذ بدء الحرب في مطلع 2022.
أفادت مصادر دبلوماسية لوسائل إعلام أجنبية الأربعاء بوجود خطة أمريكية جديدة لإنهاء الحرب في أوكرانيا ستمنح روسيا أجزاء من شرق أوكرانيا لا تسيطر عليها حاليا، مقابل تقديم الولايات المتحدة ضمانة أمنية لأوكرانيا وأوروبا ضد أي هجوم روسي مستقبلي.
يأتي ذلك في وقت يتصاعد فيه التوتر العسكري على الأرض، إذ أسفرت ضربات روسية بطائرات مسيّرة وصواريخ في اليوم ذاته، عن مقتل ما لا يقل عن 25 شخصا في مدينة تيرنوبيل.
وفقا لمصادر دبلوماسية رفضت الكشف عن هويتها، فقد صاغ هذه المسودة ستيف ويتكوف، مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وكيريل ديميترييف مستشار الكرملين، وتتضمن فرض إجراءات على أوكرانيا وصفها بعض حلفاء كييف بـ"القاسية للغاية" إذ تمنح روسيا سيطرة غير مسبوقة على السيادة العسكرية والسياسية للبلاد.
ورغم أن هذه الخطوة أكدت تشكيل ويتكوف وديميتريف قناة اتصال مهمة بين موسكو وواشنطن، لم يتسنّ التحقق في ما إذا كانت إدارة ترامب قد دعمت الخطة رسميا.
صحيفة فايننشال تايمز ووكالة رويترز ذكرتا أن المقترح يلزم أوكرانيا بالتنازل عن أراضٍ تسيطر عليها في شرق البلاد، وخفض حجم جيشها إلى النصف، وهي شروط وصفها الرئيس فولوديمير زيلينسكي سابقا بأنها خطوط حمراء غير قابلة للنقاش. وتشمل الشروط الأخرى تقييد المساعدات العسكرية الأمريكية وفئات الأسلحة التي يمكن للجيش الأوكراني استخدامها.
من جانبه، أكد موقع "أكسيوس" لأول مرة وجود خطة من 28 نقطة، يبدو أنها مستوحاة من مقترح مماثل وضعته إدارة ترامب لإنهاء الحرب في غزة.
وغير ما مرة، أشارت واشنطن إلى اقترابها من التوصل لاتفاق سلام بين روسيا وأوكرانيا، لكن المقترحات السابقة فشلت لأنها كانت تمنح روسيا معظم مطالبها بينما تطالب كييف بتنازلات مؤلمة.
والأربعاء، بدا أن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو لم يرد على التقارير بشأن الخطة، إذ قال إن تحقيق سلام دائم يتطلب "من كلا الجانبين تقديم تنازلات صعبة، ولكن ضرورية". وأضاف على منصة إكس: "لهذا السبب نواصل وضع قائمة بأفكار محتملة لإنهاء هذه الحرب، بناء على مداخل من كلا طرفي النزاع".
في المقابل، نفى المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف وجود أي تقدم ملموس قائلا: "حتى الآن، لا توجد أيّة مستجدات يمكن إبلاغكم بها". كما قالت وزارة الخارجية الروسية إنها ليست على علم بأي مقترح أمريكي جديد، وأكدت المتحدثة باسمها ماريا زاخاروفا أن موسكو لم تتلق أي مسودة اتفاق حول أوكرانيا "بهذا المستوى" من واشنطن. وأضافت زاخاروفا: "لو كانت لدى الجانب الأمريكي مقترحات، لَجرى نقلها عبر القنوات الدبلوماسية المعتمدة بين بلدينا".
تأتي هذه التسريبات في وقت تشن فيه روسيا هجوما واسعا على غرب أوكرانيا، استهدف عدة مبان سكنية شاهقة في مدينة تيرنوبيل، بالإضافة إلى منشآت للطاقة في إيفانو-فرانكيفسك ولفيف. إذ تتهم كييف موسكو بشن حملة منهجية لتدمير البنية التحتية الكهربائية المدنية في أوكرانيا مع اقتراب فصل الشتاء.
"إنها خطة استسلام"
في كييف، يرجح مراقبون أن يُنظر إلى هذه الخطة على أنها بمثابة استسلام. الخبير المصري في الشؤون العسكرية محمود الأفندي قال إن الخطة الحالية "هي نفسها التي تم الاتفاق عليها بين بوتين وويتكوف في موسكو، ثم عرضت بقمة ألاسكا وتم تقديمها للأوروبيين والأوكرانيين، وطالب الرئيس الروسي ونظيره الأمريكي حينها بعدم عرقلة ما وصفها بخطة سلام حقيقية، فمضمونها يشبه مشروع إسطنبول 2022 الذي وقّع عليه الجانب الأوكراني، مع إدخال بعض التعديلات لاحقا."
بحسب المتحدث، "تتضمن الخطة الحالية خمس مناطق يُطلب من أوكرانيا الانسحاب منها بالكامل، بما في ذلك أربع مناطق رئيسية بالإضافة إلى القرم. ليس من الضروري أن تعترف أوكرانيا بهذه الأراضي، إذ قد تعترف بها الولايات المتحدة وروسيا من جانب واحد أو من الجانبين، لكن لا يحق لأوكرانيا استعادتها إلا عبر طرق سياسية وليس عسكرية".
البند الأساسي الثاني يتمثل وفقا للأفندي "في تخفيض حجم الجيش الأوكراني وعدد الأسلحة، وعدم تزويد أوكرانيا بأي نوع من العتاد العسكري الحديث، وعدم إدخال قوات أجنبية إلا بموافقة مجلس الأمن، أي تحت مظلة الأمم المتحدة. كما تتضمن الخطة احترام حقوق الأقلية الروسية في أوكرانيا، وإعادة اعتماد اللغة الروسية كلغة حكومية ثانية، فضلا عن إعادة الكنائس الأرثوذكسية الروسية التي أغلقتها أوكرانيا سابقا، بعد أن تعرض القساوسة فيها للاعتقال بل القتل أحيانا. وتوقع روسيا وأوكرانيا اتفاق سلام كامل تحت قرار مجلس الأمن والفصل السابع."
من وجهة نظر الخبير العسكري، فهذه "هي النقاط الأساسية في الخطة، لكن هناك رفض واضح من الجانب الأوروبي والأوكراني للخطة، وهو ما يجعلها في الواقع خطة استسلام وليست سلاما. أي تحقيق لأهداف العملية العسكرية الروسية عبر الطرق السياسية، وليس العسكرية، يعني استنزاف الجيش الأوكراني والقوى الغربية بالكامل".
استغلال الوضع السياسي الداخلي بأوكرانيا
رغم ذلك، يذهب البعض إلى ترجيح حصول توافق محتمل بشأن المقترح الأمريكي، رغم المعارضة الأوروبية، ويسوقون للتدليل على ذلك الوضع الذي تعيشه الحكومة الأوكرانية، والرئيس زيلينسكي تحديدا، بسبب قضايا فساد مفتوحة في كييف.
ارتباطا بذلك، يقول محمود الأفندي إن "هيئة مكافحة الفساد في أوكرانيا غير خاضعة للحكومة الأوكرانية، وإنما منضبطة لواشنطن، بما فيها أجهزة الاستخبارات الأمريكية". ويمضي مفسرا: "الضغط على زيلينسكي واضح: فتح قضايا فساد من قبل ترامب ووضعه أمام خيار قبول خطة السلام المتفق عليها بين بوتين وترامب أو مواجهة التحقيقات. كذلك، الفساد العسكري كان له أثر كبير، مثل توزيع معدات واقية من الرصاص غير سليمة، ما أدى إلى مقتل آلاف الجنود، وأثر بشكل مباشر على معنويات الجيش".
أما أوروبا، فهي "غير قادرة" بحسب الأفندي "على مساعدة أوكرانيا بسبب الوضع الاقتصادي المتردي، مما يجعل أي حزمة دعم مالي مرتبطة بالفساد، والقدرة العسكرية محدودة لمواجهة روسيا".
مفاوضات متعثرة
وفي سياق الجهود الدبلوماسية المبذولة لبلوغ نهاية للحرب، التقى زيلينسكي الأربعاء الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قصد "إحياء المفاوضات" وتأمين "سلام عادل" لأوكرانيا، وحثّ حلفاء كييف على زيادة الضغط على روسيا، بما في ذلك توفير المزيد من أنظمة الدفاع الجوي. وكتب زيلينسكي على منصة إكس "كل هجوم وقح يستهدف الحياة اليومية يثبت أن الضغط على روسيا غير كاف. العقوبات الفعّالة والمساعدة المتزايدة لأوكرانيا يمكن أن تغيّر الوضع".
ومن المتوقع أن يلتقي زيلينسكي الخميس وفدا رفيع المستوى من المسؤولين العسكريين الأمريكيين، فيما وصل وزير الجيش الأمريكي دانيال دريسكول إلى كييف لإجراء محادثات مع المسؤولين الأوكرانيين و"مناقشة الجهود الرامية لإنهاء الحرب"، وفق بيان السفارة الأمريكية.
ولم تُعقد مفاوضات مباشرة بين كييف وموسكو منذ الصيف الأخير، وتوقفت الجهود لإحياء المسار الدبلوماسي منذ آخر لقاء بين ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين في ألاسكا في أغسطس/آب. ورغم ادعاءات الكرملين بانفتاحه على مناقشة سبل إنهاء الحرب، لم تظهر موسكو أي استعداد للتراجع عن مطالبها.
زيلينسكي بين المطرقة والسندان
يجد زيلينسكي اليوم نفسه في موقف متزايد الصعوبة سياسيا وعسكريا، فقد حققت القوات الروسية تقدما مؤخرا في مدينة بوكروفسك الاستراتيجية، وتواصل التقدم في مناطق أخرى على الجبهة، فيما تستمر تداعيات فضيحة الفساد التي طالت قطاع الطاقة، لتصبح أكبر أزمة سياسية داخلية منذ بدء الحرب.
ومنذ زحفها إلى داخل منطقة دنيبروبتروفسك أواخر يونيو/حزيران، أظهرت خرائط صادرة عن جهات مؤيدة لأوكرانيا أن القوات الروسية واصلت التقدم هناك وفي منطقة زابوريجيا المجاورة، حيث تقدمت بما لا يقل عن 30 كيلومترا على طول جبهة واسعة نسبيا خلال الأسابيع الستة الماضية.
من وجهة نظر الباحث في الشؤون العسكرية والسياسية اللبناني عمر معربوني، فإن "الحل الحقيقي يكمن في أن تقدم أوكرانيا تنازلات جدية وواقعية، بمعزل عن النظرة السيادية الحالية، وإلا فإن مزيدا من الأراضي الأوكرانية قد تسقط تحت سيطرة الجيش الروسي، خصوصا في ظل الانهيارات التي يعاني منها الجيش الأوكراني حاليا".
ويضيف معلقا على احتمال التوافق بشأن الخطة الأمريكية: "على العموم، علينا الانتظار، لكن هناك دلائل واضحة تشير إلى صعوبة الوصول إلى تسوية، على الأقل في الأفقين القريب والمتوسط".
تعليقات
إرسال تعليق